السيد محمد تقي المدرسي
335
من هدى القرآن
ارْجِعُونِ [ المؤمنون : 99 ] ، وهناك معنى آخر للآية الكريمة قاله بعض المفسرين « 1 » : إن القرية التي تهلك تعود إلى الجزاء الأخروي ، وهذا المعنى يفهم من سائر الآيات القرآنية أيضاً ، وهو هنا مأخوذ من دخول النفي على النفي . فتشير الآية إلى أن هناك ساعتي هلاك للأمم الظالمة : ساعة خاصة بها ، وساعة للكون كله ، وهي الساعة العظمى والقيامة الكبرى . نهاية الحضارات [ 96 ] حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ أي إن الطريق أمام يأجوج ومأجوج قد انفتح ، فيندفعون مسرعين من الأماكن المرتفعة ليغزوا بلدان العالم ، - أما ذلك السد الذي ذكره القرآن في سورة الكهف - فيكون آنذاك قد انهار ، ويأجوج ومأجوج الذين هم رمز الخراب يكونون قد جاؤوا ، يقول بعض علماء الحضارة : بأن الحضارة أشبه ما تكون بشجرة إذا مر عليها الزمان تتسوس من داخلها ولكنها تبقى قائمة إلى أن يأتي من الخارج من يقوم بتحريكها حركة بسيطة فتقع على الأرض ، وهكذا الحضارات يعيث بداخلها الفساد ولكنها تبقى إلى أن تأتي موجة بربرية من أطرافها فتقضي عليها قضاء نهائياً ، وهذه نهاية كل الحضارات في التاريخ . ولعلَّ هذه الآية تلمح إلى أن نهاية الحضارات البشرية تجري هكذا ، باعتبار إن يأجوج ومأجوج قوم برابره همجيون ، يهجمون على هذه المجتمعات وينهونها . ويبدو إنه قبل قيام الساعة ستكون هناك موجة بربرية ، وإن الله سبحانه شاء أن ينهي حياة الانسان بيد الإنسان نفسه ، أوليس الظالم سيفه ينتقم به ، وينتقم منه . الوعد الحق [ 97 ] وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ إذا جاء هؤلاء فاعلم بأن الساعة باتت قريبة ، وإذا جاءت الساعة فالإنسان لا يعرف ماذا يعمل ، إنه يفقد إرادته ويسيطر عليه الخوف ، وترى عينه قد وقفت في اتجاه محدد لا تتحول عنه يمنة أو يسرة من هول الموقف وشدة الرعب ، لذا يقول القرآن : فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ترى هؤلاء يقولون : إنهم كانوا غافلين عن هذا ، ولكنهم سرعان ما يتذكرون إن غفلتهم كانت منهم أنفسهم ، ولذلك لا تكون مبررة لرفع المسؤولية عنهم ، فقالوا : بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ .
--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 7 ، ص 100 .